العين الثالثة امتحان حمدوك ! ضياء الدين بلال

-1-

وضعتُ في العمود السابق أربعة احتمالات في حالِ فشل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك وعجزها عن اكمال الفترة الانتقالية:
الاحتمالُ الأول/ عودةُ العسكريين مرةً أخرى للسيطرة على السلطة عبر المكوِّن العسكري الموجود في قيادتها الآن.
أو بانقلابٍ عسكريٍّ تقوده مجموعةٌ جديدةٌ على المشهد.
الاحتمال الثاني/ الدعوةُ لإقامة انتخابات عاجلة وتمكينُ الفائز من إدارة الدولة.

الاحتمال الثالث/ إعادةُ الأوضاع إلى ما قبل 11 أبريل وعودةُ الإسلاميين مرة أخرى إلى الواجهة.
الاحتمال الرابع/ الفوضى وحربُ الشوارع والدخولُ إلى نادي دول الربيع العربي (سوريا ،اليمن ليبيا)!

استبعدتُ الاحتمالات الثلاثة الأولى، لأسبابٍ ذكرتُها آنفا.
قلتُ : بالمعطيات المتاحة فإنَّ احتمال الفوضى وانهيار الدولة هو الأقرب!
-2-
وجد المقالُ انتشاراً واسعاً في الوسائط الإعلامية وتلقيت العديدَ من التعليقات والآراء وتم الكثيرُ من المناقشات على صفحتي بالفيسبوك.
انقسمت الآراءُ إلى ثلاثِ مجموعات:
المجموعةُ الأولى/ نظرتَ لما كُتب باعتباره رؤيةً تحليليةً تمضي في اتجاه التحذير.
الغرضُ منها التنبيهُ للمخاطر المترتبة على الفشل والحضُّ على ضرورة الحرص على إنجاح حكومة الفترة الانتقالية .
حتى لا ينهار سقفُ الوطن على رؤوس الجميع، حاكمينَ ومعارضينَ ومحايدين.
المجموعةُ الثانية/ عاطفية ، يسيطر عليها تفكيرٌ رغبويُّ، غارقةٌ في الأمان والأشواق، ترى في مناقشة الاحتمالات تشاؤماً ذميماً وفألاً سيئاً، غير مرغوبٍ في سماعِه الآن.
المجموعة الثالثة/ أهلُ غرضٍ ومعتادو كيد، درجوا على تحريف الكَلَمِ عن مواضِعه، في آذانهم وَقْرٌ وفي عيونهم غشاوةٌ وعلى قلوبهم ران ، مواقفُهم مسبقةٌ وتصوراتهم مغلقةٌ.
هؤلاء نمرُّ على لغْوهم سَلاماً، دون أن نضعَ على أفواههم تُراباً!
-3-
الفكرة واضحة ومباشرة : ليس من مصلحةِ طرفٍ فشلُ حكومة حمدوك، فشرُّ ذلك سيصيبُ الجميع ولن يستثني أحداً.
علينا جميعاً- كرِهنا أم رغِبنا- مساعدتها بكل ما نستطيع، حتى نُجنب بلادنا سيناريوهات الفوضى والاقتتال.
مساعدة حكومة حمدوك تتم بدعمها والثناء عليها إذا أحسنتْ الفعل والصنيع، ونقدها وتصويبها إذا أخطأت وضلت الطريق.
بدأ سقوطُ حكومة الإنقاذ، حينما ضَعُفَ الحس النقدي داخلها بانزواءِ الصادقين وصمتِ العارفين، وضيقِ صدر القيادة بالناقدين.
في مقابل علوِّ صوت المنافقين وبروزِ نجم المتلونين، ومنحِ الثقة لغير أهلها.
-4-
من الواضح أن رئيس الوزاء نال ثقةَ وتأييدَ شرائحَ واسعةٍ من الشعب السوداني، فهي تُعلِّقُ عليه كثيراً من الآمال.
لكن الأوضح من ذلك أن دكتور حمدوك، لم يُوفق -إلى حدٍّ كبير- في اختيار العديد من الوزراء، إذ سرعان ما بانَ للعامةِ وأهلِ الاختصاص عَورَ الاختيار.
وزراءٌ أقصرُ من قامة التحدي، وأدنى من طموحِ الجماهير.
كما للأسف، قيادة التغيير تفعل نقيضَ ما يتطلبه الوضعُ ويحتاجه الظرف.
-5-

هنالك خطىً متسارعة – بغير رشد- لتوسيع دائرة العداء ، وإثارة قضايا ومواضيع مثيرة للعطاسِ وجالبةٍ للسخط والاستياء.
ليس من الحكمة والرشد تركُ الكثيرين من غير مؤيدي الحرية والتغيير بين خائفٍ وحانقٍ ومترقب.
مع توسيع مظلة الأعداء وزيادة أعداد الحانقين والخائفين على أنفسهم وأموالهم ، وفاقد الثقة بين مؤسسات الدولة وتصدع أرضية المشهد الوطني، من المستحيل توقُّع نجاح حكومة حمدوك!
حينما قلتُ :لا تجد من قيادات السياسة اليوم، أهلَ رشدٍ وبصيرةٍ سوى الدقير وعرمان ووراق والشفيع!

ذلك لأنهم أدركوا بخبرتهم وفطنتهم السياسية أنَّ حكومة حمدوك في حاجةٍ إلى توسُّعٍ وتقويةِ قاعدة التوافق الوطني، لإنجاح عملية الانتقال الآمن.
-6-
إصدارُ عقوباتٍ جماعية حسب البطاقة الحزبية أو الفكرية، من الطبيعي أن ينتجَ ردَّ فعل جماعيٍّ في الاتجاه المضاد.
لا بد من الفرز والتمييز بين من أخطأ وتجاوز وأفَسَدَ ومن ظل على طهارة ونزاهة، بل كانت لهم مواقفُ رافضةٌ لما كان يحدث من تجاوزات.
-7-
نعم، أُسُّ الأزمة ورأسها، غلبةُ وسيادةُ الذهنية القانونية في هذه المرحلة.
سيادةُ الذهنية القانونية وطغيانها يسطِّحان الأزمات ويحدَّان من المقاربات، ويرسِّخان فهْمَ أن كل المشكلات يمكن علاجُها عبر القوانين والعقوبات!

القانونُ مهمٌّ والجزاء واجبٌ ولكن الأهم أن يتم ذلك وفقَ موازين العدل والاستقامة وفي حيزٍ موضوعيٍّ لازمٍ غير متعدٍّ.
-أخيرا-

أسوأ ما تفعله الأخطاءُ المتكررة مع الوقت :
تنَقُّلُ المؤيدين إلى خانة المحايدين، والمحايدين إلى مربعِ المخالفين، وتجعلُ من المخالفين أعداءً، وتُحوِّل الأعداء إلى مقاتلين!

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...