القضارف : تعقيدات مشهد عمالي ملتبس

القضارف: الفاتح داؤود

مع دخول الموسم الزراعي بولاية القضارف مراحل حاسمة تشهد سوق العمل بالولاية هذه الايام تدفق موجات كبيرةمن العمالة الموسمية الوافدة من داخل البلاد وخارجها للعمل في المشاريع الزراعية وهي عمالة قد درجت عادة على للحضور الي القضارف بصورة راتبة فيما يشبه موسم الهجرة شرقا وقد ساهمت بحضورها هذا في تشكيل الخارطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالولاية الزراعية الاولي بيد ان دخول العمالة الإثيوبية في السنوات الأخيرة للعمل في المشاريع الزراعية بالقضارف قد مثل مؤشرا جديدا في تغيير تركيبة المشهد العمالي حمل معه جملة من المتغييرات التي تتصدرها بالطبع المهددات الامنية ممثلة في دخول شبكات التهريب و الاتجار بالبشر على الخط من خلال استغلال هذه الأوضاع حتي باتت حوادث التهريب والتسلل تشكل مهددا كبيرا للأمن القومي للبلاد وبحسب مواقيت الزراعة فإن رحلة هذه المجموعات
عادة تبدا منذ مرحلة بداية عمليات التحضيرللزراعة المعروفة (بالرشاش)الذي يشهد بداية النظافة ثم مرحلة (الكديبات) ثم حصاد السمسم والذرة وهـذه الفترة غالبا ماتمتد الي شهور في رحلة بحث مضنيةو مفعمة بالأمل عنوانها الاجتهاد و الكفاح والسعي لتأمين الرزق الحلال بالكد والعرق تنتعش من خلالها كل مفاصل الاقتصاد بالولاية من خلال حركة البيع والشراء والخدمات اما اجتماعيا فقد نشاءت بين هولاء الوافدين والأرض قصة عشق حافلة بكثير من الحكايات والذكريات التي استمدت وجودها واستمرارها وتجديدها من النسيج الخاص الذي شكل عالم (الجنقو) وهو عالم له طقوسه ومناخاته التي امتد تاثيرها الي مجتمع الولاية قاطبة من خلال العادات والتقاليد والثقافات التي حملها هولاء العمال الي مجتمع القضارف حتى الهمت الشعراء والأدباء ليتخذوا من تفاصيلهم ويومياتهم وحكاياتهم مادة إبداعية متميزة. ويرى الباحث صديق سليمان ان هذه المجموعات من العمالة الموسمية قد ساهمت في تشكيل الخارطة الاقتصادية بالولاية بل وتعد أحد أهم رافعات النجاح الذي قامت عليه نهضة القضارف حيث ارسي هولاء الوافدين كثيرا من تقاليدالتعامل الراقية فيما بينهم وبين مستخدميهم من ملاك الارض حتي أصبحوا جزء
لا يتجزء من التكوين النفسي والاجتماعي للمزارعيين الذين يتباهون فيما بينهم في طريقة التعامل الانسانية والمتواضعةمع العمال والتي جلبت كثير من الود والاحترام بين العمالة و المزارعين من اهل القضارف الذين قدموا المثال والقدوة في العلاقة بين العامل والمستخدم بصورة عادلة صارت أكثر انصافا من قوانين العمل ولوائحه
و يجمع معظم المهتمين بالزراعة وحركة الاقتصاد بالقضارف على انحسار ظاهرة العمالة الموسمية الوافدة الي القضارف للعمل في المشاريع الزراعية لجملة من الأسباب لعل من أهمها انفصال الجنوب الذي ترتبت عليه تغييرات ديمغرافية واسعة انعكست على مجمل حركة الاقتصاد السوداني وذلك بخروج اعداد كبيرة من العمالة اليدوية من سوق العمل و كان يشكل أبناء الجنوب عمودها الفقري إضافة إلي ظهور الذهب في عدد من مناطق البلاد الذي أدي إلي تدفق عشرات الالاف من الشباب إلى مناطق التعدين بحثا عن المعدن النفيس وتحقيق حلم الثروة والثراء السريع الذي نسجت حوله الحكايات والقصص مما اغري هولاء الشباب وغذي فيهم روح المغامرة فتركوا الزراعة وهجروا الحقول ليشكل ذلك فراغا عريضا في سوق العمال الذي اصبح مهددا اقتصاديا للدولة رغم دخول التقانات والمبيدات.

ولمعالجة هذا المشكلة اتجه المزارعون شرقا إلى اثيوبيا لملاء هذا الفراغ العمالي واستقطاب الشباب الأثيوبين للعمل بالمشاريع الزراعية وفقا لتفاهمات سياسية وتدابير امنية وترتيبات إدارية بين الدولتين .
الا ان اتساع رقعة الحدود وامتدادها وصعوبة التحكم فيها اغري شبكات التهريب والاتجار بالبشر للدخول علي الخط عبر هذه الثغرة بأدخال مجموعات كبيرة منهم ليس هدفهم القضارف انما ترنوا ابصارهم صوب الخرطوم ومنها إلى محطة أخرى .
ووفقا لرئيس اللجنة الزراعية بالمجلس التشريعي الولائي وليد حسن علي فان العمالة الإثيوبية قد باتت تساهم بأكثر من 50%من العملية الزراعية في مراحلها المختلفة لافتا الي ان المجلس التشريعي قد وضع رسم خدمات علي المزارعيين الذين يرغبون في استجلاب عمال اثيوبين عبارة عن (80 )ج للمجموعة الواحدة المكونة من ثمانية افراد إعادة يحتاج كبارالمزارعيين الي مئات العمال مشيرا الي ان الحوجة تتفاوت بين موسم وأخر.
ووفقا لتقديرات الجهات المختصة فقد بلغ عدد الذين توافدوا علي الولاية في العام2017 م ودخلوا سوق العمل أكثر من (500000) شخصامن العمالة الوطنية والاجنبية منهم أكثر من (100000 )اثيوبي
واكد الخبير الزراعي مصطفي خليل
ان القطاع الزراعي يعتمد في إنجاز(80%)من العمليات الزراعية علي العمالة الموسمية القادمة من مختلف ولايات البلاد مبينا ان هذه العمالة تنقسم الي ماهرة ممثلة في شريحة السواقيين والكهربجية ومعاونيهم في تجهيز الآليات من تراتكتورات ودكاسي ثم تاتي بعد ذلك مرحلة عمال الكديب التي تبلغ ذروتها بوصول عشرات الالاف من العمال إلى الولاية ممايساهم في انعاش حركة السوق وتوفير فرص العمل للسكان المستقريين وكآن القدر قد رتب لهذا الخليط من سحنات السودان ان تلتقي في القضارف و يفضي علي هذه الملحمة بعدا قوميا يمثل الوطن الكبير مضيفا أنه بعد اكتشاف الذهب وانفصال الجنوب ونشوب حروب الأطراف في دارفور وكردفان هجرت هذا العمالة سوق القضارف للبحث عن مصادر أخرى للرزق فجعلت قطاع الزراعة بالقضارف يواجه صعوبات كبيرة لسد هذا الفراغ الذي كانت تشكله العمالة الوطنية الوافدة مما دفع المزارعون إلى البحث عن بدائل باستخدام الآلة والتقانات الزراعية الا أن هذه الخطوة لازالت تواجه العديد من المشاكل الفنية حيث ادي استخدام هذه الآليات بحسب مزارعون الي اتلاف15% من المحاصيل خاصة في محصول السمسم الذي يحتاج حصاده الي خبرة وجودة إضافة للحوجة الي العمالة التي تصاحب عمليات حصاد العيش عبر الآلة فضلا عن التلكفة المادية الباهظةو الكبيرة لشراء هذه الآليات التي لاتناسب اسعارها اصحاب الحيازات المتوسطة والصغيرة الذين لاتسمح امكانياتهم الحصول عليها
و لهذا اتجه المزارعون الي العمالة الإثيوبية وهي عمالة رخيصة ومتوفرة ويسهل الحصول عليها من بوابات الحدود.
وعادة لاتصاحب عملية استجلابها أي صعوبات إجرائية إذ يتم التنسيق بين المزارع والجهات الأمنية عبر تقديم طلب للحصول على عمالة من منطقة القلابات الحدودية بواسطة سماسرة اثيوبيين ينحدرون من مختلف القوميات بعد دفع رسوم رمزية يتحمل بموجبها المزارعون تكلفة الترحيل من والي الحدود.
إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في عجز التجار علي التحكم في حركة هذه المجموعات حيث يتسلل الكثير منهم إلى داخل البلاد دون أوراق ثبوتية بسبب رغبة الغالبية العظمى منهم للدخول الي السودان بحثا عن فرص عمل جيدة او الاستعداد للعبور الي محطة جديدة.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...