بالمعهد الملكي للشؤون الدولية السودان (الإصلاحات والتحديات).. حينما يتحدث غازي

استضاف المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” جلسة بعنوان “السودان الإصلاحات المطلوبة والتحديات – 2018 – 2060″، خاطبها رئيس “حركة الإصلاح الآن” غازي صلاح الدين، وأدارتها السيدة روزاليند ماري مارسدن، وهي دبلوماسية بريطانية، وكانت آخر المناصب التي تقلدتها سفيرة صاحبة الجلالة إلى جمهورية السودان، في العام 2007م خلفًاً لإيان كليف، كما وكانت الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي في السودان من 2010م إلى 2011م.

ابتدر العتباني حديثه مؤكداً بأن معظم الحوارات التي دارت بشأن السودان، كانت تتطلع إلى الماضي، وأن هنالك حاجة في الوقت الحالي لمناقشة القضايا المستقبلية. وأضاف: دعوني استلف مقولة ماركس الشهيرة: “لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير وفهم العالم بطرق شتى؛ أما الهدف فهو تغييره”. منوهاً إلى أن الاستراتيجيين عملوا على قياس إمكانات السودان، إلا أن الهدف كيفية استخدامها، مقترحاً مناقشة فرضية “أن السودان يمكن أن يكون عاملاً مهمًا في الحفاظ على الاستقرار والازدهار في المنطقة، في حال تم استيفاء شروط معينة.

لقاءات صحفية

وأشار غازي إلى أنه في جميع المقابلات الصحفية التي أجريت معه فقد كان المحاور يختتم حواره بسؤال “هل أنت متفائل؟”، وأنه كان يجيب بثبات “أنه يجب أن يكون متفائلا”، حتى عندما يكون بالفعل غير ذلك. مشيراً إلى أنه سيذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن على القادة أن يكونوا متفائلين لكي يتمكنوا من الإنجاز. وأضاف: لاختصار الأمر فإنني سأطرح سؤلاً بشأن ما إذا كان وضع السودان يدعو للتفاؤل؟. مؤكداً أن أياً من السؤال وإجابته لا تنطوي على رفض أو قبول موقف سياسي، فالسؤال وإجابته محايدان سياسياً. ويقول العتباني “الآن دعونا نعتبر أن الإجابة نعم، وأنه يمكن للسودان أن يكون عاملاً للسلام والاستقرار.”، مشيراً إلى أن السؤال الذي سيقفز إلى الأذهان، ماهي المزايا الكبيرة المستدامة في العديد من الدوائر، مؤكداً على أنه بالرغم من كل الصعوبات التي واجهت السودان إلا أنه لم يتوقف أبداً عن كونه لاعباً فعالاً في المنطقة.

مزايا السودان

وأكد رئيس حركة الإصلاح الآن أن السودان يتمتع بـ 4 مزايا، أولها الموارد الطبيعية حيث يزخر السودان بالموارد الطبيعية، بما في ذلك المعادن والنفط والزراعة والموارد الحيوانية، مما يجعله جاذباً للغاية كشريك تجاري، أو وجهة لإنشاء الأعمال. وثاني المزايا المساحة، فعلى الرغم من خسارة السودان لخُمس مساحته تقريبًا بانفصال الجنوب، إلا أن السودان ما يزال ثالث أكبر بلد إفريقي باعتبار أن المساحة يمكن تفسيرها بما يسمى بـ”العمق الاستراتيجي. ثالث المزايا الموارد البشرية، إذ إن السودان بسبب نظامه التعليمي، قام بتدريب وتأهيل الملايين من الأفراد منذ إدخال التعليم الحديث في أوائل التسعينيات. وشهدت السنوات الثلاثون الماضية زيادة غير مسبوقة في التحاق الطلاب بالمؤسسات التعليمية، وتنويع المحتوى والمخرجات التعليمية والتدريبية، مشيراً إلى أن الشركات والأفراد الراغبين في إنشاء الاستثمارات والأعمال التجارية، والأعمال الخيرية، والخدمات المهنية وما إلى ذلك يجدون فائضاً من الموارد البشرية لتوظيفها. أما رابع المزايا بحسب غازي تتمثل في الموقع “الجيوسياسي”، مرجحاً بأن ذلك من أهم المزايا بالنسبة للسودان، لجهة أنه يقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية وتحدياً، إذ تحده سبع دول إفريقية، لكل منها مشكلاتها الأمنية والاقتصادية، ويطل على البحر الأحمر الذي يربطه باليمن والمملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل ومصر.

واعتبر د.غازي صلاح الدين أن هذه الصفات الأساسية قد تمنح السودان مزايا غير محدودة فيما يتعلق بالقوة الناعمة، فضلاً عن عوامل ومسائل مهمة أخرى تستحق أن توضع للمناقشة، إلا أنها على عكس العوامل الأربعة الأخرى المذكورة أعلاه، فهي عابرة ومتغيرة، ويمكن أن تعمل لصالح أو ضد مصلحة السودان، واستدرك: في جميع الحالات سوف تترك أثرها على بنية الدولة ووظيفتها.

التحديات التي تواجه السلطة في السودان

ونوه غازي إلى القضايا والتحديات الحالية التي تفرض وجودها على عقل أي شخص على رأس السلطة في السودان، مؤكداً في الوقت ذاته أنها على سبيل المثال لا الحصر، وابتدرها بأن أول القضايا تبني النهج الديمقراطي، مشيراً إلى أن ثمة سؤال يفرض نفسه وهو(أي نموذج ديمقراطي؟) مؤكداً أن الجدل احتدم في الماضي حول أفضل بديل لنموذج ويستمنستر الديمقراطي في بلد منقسم، بجسم سياسي منقسم ومتناقض. وأوضح العتباني أنه في ظل عدم تحقيق الفائدة فيما يتعلق بالاستقرار والاستدامة في النموذج البرلماني، فإن الفيدرالية قد تكتسب ميزة، يجادل منتقدو النظام الفيدرالي بأن النظام متحيز ويميل إلى العمل لصالح الحزب الحالي.. ومؤخراً، كانت هناك محاولة خجولة لنموذج مختلط (برلماني – رئاسي) ، إلا أن النتائج لم تكن مُرضِية. أما التحدي الثاني طبقاً للرجل فيتمثل في مقتضيات هيكل السلطة، وأضاف: لقد تغير هيكل السلطة في المركز بشكل كبير، مرجعاً ذلك إلى انفصال الجنوب الذي أثار مطالب مماثلة من قبل النخبة في دارفور. بالإضافة إلى تصعيد قضية دارفور في الأجندة الوطنية، فقد حلت عملياً مكان الجنوب فيما يتعلق بتقاسم السلطة والثروة. كذلك بسبب تبادل السلطة بين المركز والأطراف، وأخيراً بفعل البحث عن نفوذ جديد، بما في ذلك العلاقة بين رجال الأعمال ورجال الأعمال الناشئين، وضرب غازي مثلا لذلك بتدفق الذهب كمثال على الدفع لاستخدام القوة السياسية والمادية للتفاوض من أجل الحصول على موقع أفضل في المستويات العليا للسلطة في المركز.

ثالث التحديات بحسب العتباني تمثلت في تأثير الأحزاب السياسية وأيديولوجياتها، موضحاً أن العداء الأيديولوجي سمة السياسة في الخمسينيات حتى ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما أفسح المجال إلى درجة أكبر من التسامح والاندماج السياسيين، ولقد ولت أيام الازدواجية الحادة، مثل اليسار واليمين، والرأسمالية والاشتراكية والدينية والعلمانية. وأكد العتباني أنه فيما يتعلق بالحركات السياسية وقدرتها على أن تظل فاعلة ومؤثرة، فإنه على مدى الخمسة عشر عاماً القادمة ستظل الحركة الإسلامية هي الكيان السياسي الأكثر أهمية . سيما وأن أعضاءها أصبحوا جزءاً من النظام الطبقي، يشكلون نخبة محافظة، يتشبثون بالسلطة كوسيلة لحماية موقعهم وممتلكاتهم. وهو تطور مرحب به في نظر الكثيرين! واعتبر العتباني أن شباب الحركة الإسلامية لم يعودوا يعتمدون قائمة محددة للقراءة في الواقع، وأضاف: يقرأ الكثيرون حالياً كارل بوبر وهابرماس، بالإضافة إلى الكتاب التقليديين مثل حسن البنا، سيد قطب وحسن الترابي. ومن المثير للاهتمام، أن البعض قد يتوقف قليلاً عند كارل ماركس. فالشباب بشكل عام أقل اهتماماً بالأيديولوجيا وأكثر اهتماماً بالحراك الاجتماعي والقضايا العملية المتعلقة برفاهيتهم وتعزيز أنفسهم.

أما رابع التحديات لدى العتباني تتمثل في الأزمة الاقتصادية المزمنة، ويذهب الى أن الاقتصاد هو المشكلة الأكثر استعصاءً التي تواجه السودان، وأضاف: لقد أصبح الوضع معقداً بسبب قضايا غير اقتصادية، خاصة سياسة العقوبات الأمريكية، لقد أصبحت السياسة الخارجية والاقتصاد متشابكين بشكل كبير في حالة السودان، وأصبح هذا الأخير رهين بالتحولات وتقلبات الرأي في الكونغرس الأمريكي.

التحديات الأخطر

وطبقاً لرئيس حركة الإصلاح الآن فإن خامس التحديات التي تواجه السلطة هي دول الجوار الإقليمي، معتبراً أن السودان ليس لديه أي حواجز طبيعية مع أي من دول الجوار مما جعله عرضة للعدوان، حتى لغزو قوى أجنبية، مؤكداً أن أفضل استراتيجية يمكن للسودان تبنيها هي التوصل إلى اتفاقيات مع دول الجوار لحماية المصالح والقيم المشتركة، مثل تلك الاتفاقية التي بين السودان وتشاد في العام 2010م. كما يرى غازي أن قضايا السكان باعتبارها سادس التحديات التي تواجه السلطة في السودان تعد من بين القضايا الأكثر تعقيدًا في الخمسين سنة القادمة، وأضاف: أظهرت دراسات حديثة أن المنطقة التي تضم السودان ونيجيريا وإثيوبيا ومصر وغيرها سوف تشهد موجات هجرة نحو السودان والأراضي الخصبة على طول حوض النيل. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى استهلاك حاد في الغذاء غير متناسب مع الإنتاج، مما سيؤدي بالتأكيد إلى التنافس على الموارد وربما الحروب. أما سابع التحديات بحسب العتباني هي التغييرات الديمغرافية ويرى غازي أن السودان به انقسامات عرقية متعددة، كذلك يكشف التحليل السكاني في السودان عن بروز فئة الشباب، الأمر الذي يمكن أن يكون مصدراً للمشكلات، وقد يمكن أيضاً تحويله إلى ميزة بمجرد أن تتمكن الدولة من الانفتاح على الاستثمار.

مصفوفة تفجير الإمكانات

ويذهب غازي إلى أن السودان وفقاً لإطار زمني محدد قادر على تحقيق إمكاناته، ويرى أن ثمة مرحلة أسماها بالحاسمة من الحالي وحتى 2020م، معتبراً أن خلال هذه المرحلة يتم اتخاذ جميع القرارات الحاسمة، وتوجيهات التنفيذ، وتشكيل الهيئات، على سبيل المثال، اللجان. إن أهم هيئة يتم تشكيلها هي لجنة الانتخابات. ثاني المراحل مرحلة التمايز: 2020-2030م، وأنه خلال هذه المرحلة سوف تتبلور مؤسسات السلطة المختلفة.
أما ثالث المراحل فهي مرحلة الاندماج، حيث تعود الأوضاع إلى طبيعتها، وسيكون التركيز الرئيسي على إضفاء الطابع المؤسسي على أجهزة الدولة، ووضع الأسس لحكم القانون.

روشتة واجبة

ويذهب صلاح الدين إلى أنه وخلال هذه المراحل ينبغي اتخاذ القرارات والتكليفات الرئيسية من قبل جميع الأطراف على قدم وساق مما يسهم في بناء الثقة. وسيكون الاختبار الفعلي لالتزام الحكومة هو قانون الانتخابات. بالإضافة إلى ضرورة إنهاء الحرب بالوصول إلى تسوية سياسية باعتبارها الأولوية القصوى. كذلك أهمية خلق معارضة دستورية، لبناء الثقة وإرساء الأساس لعملية توافقية ديمقراطية مستدامة. واعتبر غازي أن أفضل استراتيجية (متوسطة إلى طويلة الأجل) للتعامل مع إمكانية تعرض السودان للتدخل الخارجي، هو التركيز على صياغة اتفاقيات ثنائية متبادلة وإقليمية للأمن. يجب أن تشمل هذه الاتفاقيات جميع مجالات الدفاع والاقتصاد والسكان، وما إلى ذلك. بالإضافة إلى معالجة القضية الحرجة والعاجلة للعلاقات السودانية – الأمريكية. فقط عندما يبني السودانيون جبهة محلية قوية، يمكنهم التفاوض بفعالية مع الولايات المتحدة. لدى الولايات المتحدة أولوياتها السياسية ولن تنتظر السودان طويلاً.
واختتم الرجل حديثه بأن تحقيق إمكانات السودان، ليست مهمة فرد أو حزب واحد، ولكنها رسالة أمة كاملة، الشيء الوحيد الذي ينبغي ألا نفعله هو التوقف عن التفكير والإبداع.

صحيفة السوداني.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...