“حاطب ليل” البوني .. صحيفة السوداني : الرَّش الرَّش

(1)

نحن في السودان نهوى أوطانا هذه واحدة.. أمّا الثانية، إن رحلنا بعيد نطرا خلاّنا كَمَا غَنّى أحمد المصطفى.. أما الثالثة، فإنّنا نعيش مرحلة انتقالية بدأت منذ 1821 أي من ساعة ما وطأت أقدام جيش محمد علي باشا أرض ممالك الفونج وتقلي والمُسبعات، إذ لم يكن هناك سُودانٌ قبله.. أها من تلك السّاعة التي بدأ فيها السُّودان الظُهُور، أصبح كُلّ يوم في حالة غير إلى يوم الناس هذا، فمن الأشياء التي تدل على ثبات أشيائنا عدم تعريف الكارثة، فما هي الكارثة؟ هَل هي الجريمة البشعة الخَارجة عن المألوف؟ هَل هي الضرر الذي يُصيب أكبر عددٍ من الناس؟ هَل الوباء الفتّاك؟ هَل.. هَل؟ فنحن هذه الأيام مُنصرفون لحوادث الاغتصاب في الخلاوي ورياض الأطفال، ومُنصرفون للمراكب التي تهوي بصغارنا وكبارنا في النيل، ومُنصرفون لملياراتنا التي هبر فيها الجماعة، ومُنصرفون لوحش الغلاء الطاحن وللجنيه الذي أصبح في وزن الريشة!! ولكن هُناك شَئٌ واحدٌ لم يدخل قاموس كَوارثنا، وهو الأضرار التي تحدث لزراعتنا، لا أدري إن كان هذا جهلاً بقيمة الزراعة، أو نابعاً من نظرة دونية للزراعة، أو كثرة ما يقع على الزراعة من بلاوٍ..؟ فدوماً عندنا الزراعة للغاشي والماشي.!
في تقديري إننا إذا لم نستشعر أهمية الزراعة، فلن تقوم لهذه البلاد قائمة، والاهتمام بالزراعة يبدأ بإدراك أهميتها الى أن نصل مرحلة موت شتلة.. موت أمة!
(2)
كارثة زراعية.. مررنا عليها مرور الكرام حدثت في منطقة القضارف تحديداً منطقة الكفاي بمحلية القلابات الشرقية، حيث تمت إبادة سمسم ولوبيا وزهرة شمس في مساحة خمسة وعشرين ألف فدان بالتمام والكمال، حدثت هذه الإبادة ليس بسبب طبيعي كالسيول والأمطار والفيضانات والذي منه، وليس بهجمة من جرادٍ أو نارٍ مُشتعلةٍ كَمَا يحدث لنخيل الشمالية، إنّما بخطأٍ فني يتمثّل في طائرة رش تتبع لشركةٍ خاصّةٍ، قامت برش محصول القطن بمُبيد حشائش اسمه (الدمار الشامل) نعم هذا هو اسمه التجاري!! أما اسمه الأصلي (راوند اب استار)، فالخواجة سَوّاق الطيّارة رشّ القطن ولم يغلق المواسير، فوصل المُبيد تلك المزروعات المُجاورة ولَحقّها أمّات طه وجعل خشوم أصحابها (مِلِح مِلِح) لضياع (مسورهم)!! وقد تمّ تأكيد وتوثيق الحادثة رسمياً فحصرت كل الخسائر.. وهنا لا بُدّ من الإشادة بالأستاذ الصحفي المثابر الجاد الصديق/ صديق رمضان بصحيفة “الصيحة” الذي شَدّ الرِّحال للقلابات وغَطّى هذه الكارثة بالصورة والقلم.

(3)
دُون التقليل من حجم الكارثة، لا بُدّ الوقوف عند أمرٍ مُهمٍ، وهو أنّ هذه الطائرة كانت ترش في قطن مطري، فأن يُزرع القطن مطرياً ويهتم به لدرجة الرش بالطائرة في هذا تطورٌ حميدٌ دون شك، ولكن جبر الضرر ضروري، والذي لا يعلمه الناس أنّ مثل هذه الأحداث كانت تقع في مشروع الجزيرة في كل موسم في تلك الأيام دون أن يكتب عنها سطر واحد في صحف الخرطوم، ناهيك عن الإذاعة والتلفزيون.. فالرش في مشروع الجزيرة في (تلك الأيام) كان مأكلة، وكان مُفسدة، وكان كارثة!! وهذه قصة أخرى.. أما الرش في كنانة جنس مأكلة أسكت ساكت!! ولكن في تقديري، أنّ الأمر هنا مُختلفٌ، لأنّ هذه المشاريع المطرية ملكية خاصّة، وأن تصل هذه المشاريع هذه المرحلة من التقانة الزراعية أمرٌ يستوجب الإشادة.
ولكن كما ذكرنا أن هذا لا يعني عدم تعويض المُزارعين، فأصحاب المشروع وأقسم بالله إنني لا أعرفهم حتى ساعة كتابة الموضوع، وشركات التأمين للزراعة وللطائرات لا بُدّ أن تقوم بواجبها في هذا الأمر.
خلاصة قولي هنا إنّ ما حَدَثَ كارثةٌ على العباد والبلاد بكل المَقاييس، ولكن يجب ألا تستغل في تحجيم التطور الذي حَدَثَ لتلك الزراعة في تلك المنطقة.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...