دكتور خالد التيجاني النور يكتب ماذا يجري علي الحدود السودانية الارترية

لم تكد تمر سوى سنوات قليلة من الهدوء في العلاقات بين السودان وجيرانه، وسادت معها سياسة صفر مشاكل، حتى عادت لتشتعل بدون مقدمات ظاهرة، هذه المرة جاءت خارج التوقعات على جبهة الحدود مع إرتريا، حين أعلنت الخرطوم إغلاق الحدود مع جارتها الشرقية بعد أيام قليلة من إعلان حالة الطوارئ في ولاية كسلا الحدودية ورافق ذلك انتشار كثيف لقوات عسكرية سودانية قبالة إرتريا.

لا توجد حتى الآن رواية رسمية من أي من الجانبين للأسباب الحقيقية التي أدت إلى عودة التوتر بين الخرطوم وأسمرا، وإن كان متداولاً في الأوساط الدبلوماسية أن أزمة مكتومة طرأت على علاقات البلدين في الآونة الأخيرة، بعد فترة من الهدوء استمرت لأكثرمن عقد توطدّت خلاله الصلّات الرسمية بينهما، بعد تخلّي إرتريا عن دعم المعارضة المسلحة ضد حكم الرئيس عمر البشير، وتوقف الخرطوم عن دعم معارضي الرئيس أسياس أفورقي.
تشير التطورات التي تشهدها علاقات السودان الخارجية وتحولاتها المتسارعة وتداعياتها إلى أنها السبب المباشر خلف تسخين جبهة الحدود السودانية الإرترية، وهو وضع تداخلت فيها انشغالات الأجندة الوطنية مع حسابات المصالح الثنائية بين دول المنطقة، وتأثرها بنشوء تحلفات إقليمية وشبه إقليمية متقاطعة، وما يعزز هذه الفرضية أن منشأ الأزمة الراهنة في العلاقات بين إرتريا والسودان يعود بالأساس حسب تسريبات ديبلوماسية إلى إنزعاج أسمرا من التقارب الذي يزداد رسوخاً بين الخرطوم وأديس أبابا، وهو ما تعتبره بالضرورة خصماً على توازنات علاقاتها مع السودان في ضوء استمرار النزاع والقطيعة الممتدة لنحو عشرين عاماً بين إثيوبيا وإرتريا والتي قادت إلى حرب بينهما أواخر التسعينيات من القرن الماضي.
غير أن العلاقات المتميزة التي تربط السودان بإثيوبيا، والتي ظل الرئيس عمر البشير يؤكد على طبيعتها الاستراتيجية، لم تكن موجهة بالأساس ضد أرتريا، ولكنها اتخذت هذا المسار في سياق تداعيات سد النهضة الإثيوبي الذي تتخذ مصر موقفاً متحفظاً عليه على خلفية تمسّكها بحقوقها التاريخية المكتسبة في مياه النيل، في حين يرى السودان أنه سيجني مصالح وفوائد من إنشائه، تسّبب هذا الصراع على نهر النيل الذي تغذيه الأنهار النابعة من الهضبة الإثيوبية بثمانين في المائة من مياهه، إلى عملية فرز في المواقف بين الدول الثلاث، خاصة بعد فشل الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وقعها رؤساء الدول في الخرطوم في العام 2015 في تهدئة المخاوف المصرية ومعالجة تحفظاتها على بناء السد، في وقت واصلت إثيوبيا عملية تشييده دون انتظار لنتائج الاستشارات الفنية لدراسة تأثيراته.

ويبدو من سياق هذا النزاع الذي لم تكن إرتريا طرفاً فيه أن تشكل محوراً إثيوبياً- سودانياً من جهة، في مواجهة مصر التي سارعت إلى خلق توازن بتشجيع إرتريا للاصطفاف إلى جانبها لمعادلة تخوفاتها من تبعات التقارب السوداني الإثيوبي على مصالحها، ولعل ما زاد من شكوكها عدم تلبية الرئيس البشير لدعوة من نظيره الإرتري لزيارة أسمرا، في حين ظل يزور إثيوبيا بانتظام في مناسبات عديدة، وعندما تمت الاستجابة للطلب الإرتري كان من قام بالزيارة هو الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول للرئيس السوداني، في إشارة واضحة إلى أن هناك قضايا خلافية بين الطرفين منعت البشير من القيام بالزيارة بنفسه.
تطور هذا الصراع السياسي بين الدول الأربعة إلى لعبة مخابرات استخدمت فيها الإعلام في رسم سيناريوهات تصعيد ذات طابع حربي، بالحديث عن نيّة مصرية لتوجيه ضربة عسكرية لسد النهضة، ونشر قوات مصرية في معسكر ساوا الإرتري القريب من الحدود من السودان، ثم قيل أن إرتريا تحتفظ بقوات من المعارضة المسلحة الدارفورية في المعسكر نفسه، وبالحديث تارة عن أن المقصود هو زعزعة الاستقرار في إثيوبيا، وتارة أخرى بأن المستهدف هو السودان، ولكن في كل الأحوال لم يثبت فعلاً من مصادر مستقلة أن هناك حشوداً عسكرية بالفعل، كما كان لافتاً تداول تصريح لرئيس الوزراء الإثيوبي ينفي فيه وجود قاعدة مصرية في أرض الصومال، أو يؤكد نشر قوات لها في إرتريا.
وما يرجح أن ما يبدو من تسخين في جبهة الحدود السودانية الإرترية هي مظاهرة إعلامية أكثر من كونها دلالة على عد عكسي لمعركة حربية، أن إغلاق الحدود مع إرتريا أقرب لاعتبارات تتعلق بحسابات سودانية اقتصادية في محاربة تهريب السلع إلى إرتريا المعتمدة بصورة شبه كاملة على السوق السوداني في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعانيها البلاد عكستها موازنة العام الجديد التي جرى فيها تحرير أسعار بعض السلع الحيوية ما تسبب في ارتفاع غير مسبوق لأثمانها ويُنذر باضطرابات اجتماعية، وفي حين استدعت الخرطوم سفيرها لدى القاهرة للتشاور احتجاجاً على هجماتها الإعلامية، فإن العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وأسمرا لم تتأثر حتى الآن سلباً بما يجري على الحدود.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...