ضياء الدين بلال يكتب : (بشيلها شيطان)!

-1-

كُنَّا في الطريق إلى مدينة الدويم أول أمس، لتعزية الصديق عبد العزيز برجاس، في وفاة والده المُربِّي الفاضل مصطفى حسين. برجاس الكبير، واحدٌ من أعمدة بخت الرضا في أيام مجدها التليد، له الرحمة والمغفرة.
تركنا الخرطوم من ورائنا، ومياه الأمطار لم تُصرَّفْ ولم تتبخَّر، بل أصبحت بركاً مثاليةً لتوالد سُلالاتٍ مُحسَّنةٍ من الذُّباب والبعوض. المياه معدومةٌ في المواسير، ومُتوفِّرةٌ في الطرقات والساحات!

ما بعد جبل أولياء، كان المشهد يسرُّ الناظرين والعابرين: الخضرة على امتداد البصر، والمياه تُغطِّي مساحات واسعة على جانبَي الطريق، والشمس تُغازل مياه النيل الأبيض، الطبيعة في كامل زينتها التي تُطرب القلب وتُنعش الوجدان، وتجعلك تُؤمن بأننا في وطن لن يموت فيه مُواطنٌ من الجوع!
لم نستطع مقاومة ذلك الجمال الخريفي الخلاب، أوقفنا السيارة على جانب الطريق، لنلتقط مجموعة من الصور التذكارية، حينما أرسلتها لبعض الأصدقاء تساءلوا في حيرة وتعجُّب: هل هذه الصور في السودان؟ هل لا تزال في اسطنبول؟!

ولأننا لا نحتمل النِّعم، كعدم احتمالنا للمعاناة والشقاء؛ مرَّتْ على شريط الذاكرة عددٌ من المواقف التي ترفع مُعدَّلات الأسى، وتجعل الحسرة (تعشرق في الحلق)، وتجعل الحزن كائناً يمشي على ساقين.
-2-
تذكَّرتُ سفير تلك الدولة العربية، حينما قال لي قبل مغادرته البلاد: (سيُجازي الله السودانيين خيراً كثيراً، لسبب بسيط ومُدهش، وهو أنهم من فرط أمانتهم سيُعيدون إليه الثروات التي منحها لهم في باطن الأرض وظاهرها، كاملة وسالمة دون أن يأخذوا منها الكثير)!
قلتُ في نفسي وقتذاك: (حتى صفة الأمانة التي أصبحت الصفة الوحيدة التي نُسوِّق بها أنفسنا في أسواق العمل الخليجي، لم تسلم من الاختراق والتحوير، لتتحوَّل من ميزة تقتضي الأفضلية، لصفة ازدراء سالبة وشائهة تُؤكِّد الخمول والكسل)!
-3-

المستثمرُ الأجنبي يُعرَض عليه المشروع الزراعي في السودان، والأرض في استوائها الانسيابي السلس، دون معوقات وموانع طبيعية، الرجل يرفع حواجب التعجب إلى فوق مستوى الدهشة، ويفغر فاه إلى مستوى الذهول، قبل أن يقول: (ممتاز لقد قمتم بإنجاز أكثر من نصف المهمة، بتسويتكم للأرض على هذا النحو البديع)!
الحرج يُغلق أفواه المرافقين، ولا أحد منهم يمتلك شجاعة تسجيل اعتراف صريح: (الواطة دي أصلها كدا مافي زول دخل فيها إيدو من نزول أبونا آدم الأرض وإلى صعود نيل أرمسترونغ إلى القمر)!!!
-4-

صديقنا عدنان الفلسطيني، يجلس معنا على الأرض، وهو ينظر إلى مقرن النيلين ثم يقول: (والله يا ضياء انتو محظوظين، كل أنهار الدنيا تجري من الشمال للجنوب، إلا نهر النيل يفعل العكس، السبب يا عزيزي أن الله سبحانه وتعالى غيَّر لكم قانون الأنهار حتى يجنبكم ما كان سيحدث لكم لو أن النيل كان يمر على الفلاحين المصريين، قبل أن يصل إليكم في السودان، والله كان وصلكم بالقطارة)، ويملأ عدنان فمه بالضحك!
-5-
المُستثمر الإماراتي يتجوَّل في الحوَّاشات بمشروع الجزيرة، ويرى المُزارعين يحصدون البصل.
يتساءل المُستثمر أمام مُرافقيه وأقدامه تغوص في الأرض الطينية السوداء المُتشقِّقة: (لماذا لا نرى هذا الإنتاج في الإمارات؟!).
وحينما لم يجد إجابة، أخذ الرجل نفساً عميقاً، وأكثر من قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وأضاف بتوجع: (الأرض مِن الغضب تشقَّقَتْ بطنها من الغيظ)!

-6-
التقيتُ قبل يومَيْن والي إحدى الولايات الزراعية، بمكتب الصديق العزيز وزميل الدراسة الأستاذ حامد محمد نور ممتاز، وزير الحكم الاتحادي.. سألتُ الوالي عن حال ولايته.
فاجأني بإجابة صادمة ومُربكة: (بإمكان الولاية أن تصبح غنية وتكفي السودان بالزراعة والمعادن، توجد إمكانيات وثروات ولا تُوجد أموال تُغذِّي الميزانية)!
قلت له: أين تذهب عوائد الزراعة والمعادن؟
أجابني: (ما عارف تقول بشيلها شيطان)!
خَطَرَ على بالي وأنا أستمع إلى الوالي ترنيمة الراحل المقيم صلاح أحمد إبراهيم الخالدة:
النيل وخيرات الأرض هناك..
ومع ذلك ومع ذلك..
-أخيراً-
لن ينصلح الحالُ ويعتدل الظلُّ، ما لم يتم التعامل مع السودان كشركة مساهمة عامة، تُدار بذهنية اقتصادية تنموية، تُحقِّق الأرباح وتُقلِّل الخسائر.
ولن يحدث ذلك إلا بالعودة للأرض والزراعة، والتعامل معها كأيدولوجيا، للخروج من نفق الأزمات، لا الاقتصادية فقط؛ ولكن السياسية والاجتماعية والإثنية، التي تجعلنا نتحارب ونتباغض ونصطرع بأيادٍ كثيرةٍ على كعكة صغيرة، مصنوعة من عجينة فشلنا الأكبر.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...