عثمان جلال .. المكون العسكري وتصحيح الخطأ الاستراتيجي

السودان الإخبارية | مقالات

(1)
عوامل نجاح أي ثورة يتجلى في كسر حاجز الخوف وسلميتها، وقدر من تماسك اللحمة الوطنية الاجتماعية والهوياتية وضرورة انحياز المؤسسة العسكرية للثورة، واثر العامل الخارجي في المحيط الإقليمي والدولي (إيجابا أو سلبا على الثورة والوحدة الوطنية هي المحصن للتدخلات الخارجية الضارة)، والعامل الفاعل توافق قوى الثورة على إدارة مهام المرحلة الانتقالية، والتوافق على ترسيخ النموذج الديمقراطي الوطني المستدام، بعيدا عن الاجندة الأيديولوجية، والحزبية. وهنالك شبه إجماع أن انجع وصفة لتغيير أي نظام عقائدي أو شمولي صناعة عملية التغيير التدريجي من داخل بنيته المؤسسية والتنظيمية، أو استيعاب تيار الإصلاح والتغيير للنظام القديم في انجاز المهام الثورية إذا تحققت اللحظة الثورية للحد من تحول هذا التيار لثورة مضادة، وتجنبا للانزلاق في سيناريو العنف والحرب الأهلية وتفكيك الدولة.
(2)
بإسقاط هذه العوامل على الثورات العربية الاخيرة فقد نجحت الثورة التونسية في إنجاز مهام الثورة وتسير ببطء وثبات نحو الانتقال الديمقراطي الراسخ لأن القوى الفاعلة في الثورة رفعت شعار الوحدة الوطنية والحرية والديمقراطية اولا، بل تم استيعاب عناصر ومؤسسات النظام القديم في عملية التحول الديمقراطي، ورغم نجاح الثورة المصرية في ازاحة نظام الاستبداد بقيادة حسني مبارك عام 2011م الا ان قوى الثورة فشلت في التوافق الاستراتيجي على البرنامج الوطني الديمقراطي مما أدى إلى إجهاض الثورة، وفشلت الثورات في سوريا وليبيا واليمن لانتفاء كل عوامل نجاح الثورة(عسكرة الثورة، ضعف اللحمة الاجتماعية والهوياتية، والتدخلات الخارجية السالبة، انشقاق المؤسسة العسكرية). حيث أدى الصراع الصفري وغياب الرشد والحكمة الوطنية في هذه الدول بين الحكومة والمعارضة إلى انهيارها وتفككها.

(3)
بإسقاط عوامل نجاح الثورات على الثورة السودانية التي انفجرت في ديسمبر 2018 فقد كسر المجتمع السوداني حاجز الخوف ورفع شعار السلمية والتحرر من النزعات الاثنية والجهوية والهوياتية، ولعل العامل الفاعل لنجاح الثورة السودانية انحياز مؤسسات النظام السابق الصلبة والناعمة حيث تلاقت إرادة التغيير والاصلاح وسط التيار الإسلامي الوطني العريض، مع إرادة المجتمع والقوى السياسية الوطنية ولو تمترس وتخندق الإسلاميون خلف النظام السابق لما سقط اصلا، ولكن قدموا ايديولوجية القضايا الوطنية خيارا استراتيجيا على استمرار التجربة والسلطة ، فالاسلاميون شركاء في صناعة الثورة السودانية،بل وطرحوا مشروع المعارضة البناءة والإيجابية الداعمة للثورة تحت سقف شعار (خلوا بيننا وبين الناس) والعبقرية الثورية والوطنية كانت تقتضي إدارة مهام الانتقال الثوري، وترسيخ النموذج الديمقراطي المستدام بهذا الإجماع والاحتشاد والتوافق الوطني الاستراتيجي، خاصة أن غياب التوافق الوطني عبر التاريخ أدى إلى فشل المراحل الانتقالية التي أعقبت ثورتي أكتوبر 1964 وابريل 1985،وبالتالي اجهاض التجربة الديمقراطية الثانية والثالثة وهي في صراع الرؤى والتكوين(وما أكثر العبر وأقل الاعتبار).
(4)
هنا يكمن الفرق بين الثورة التونسية التي تصدرها الإسلاميون وشعارها (تونس الحبيبة والديمقراطية اولا) ، وبين الثورة السودانية التي اختطفها اليسار السوداني البائس والجزافي والمتخفي تحت حاضنة قوى الحرية والتغيير ، وأحالها الى محض هوجة وتشفي وانتقام، واستبدال تمكين بتمكين، والمخزي أن هذه القوى السياسية التي اختطفت الثورة السودانية أثبتت انها لا تمسك من فقه الحكم وإدارة الدولة إلا كما يمسك الماء الغرابيل (راجين الله في الكريبة كما في المثل السوداني)، وفي بدهيات الفكر الاداري والسياسي ان إدارة الأزمات تبدأ بوقف الأزمة في طورها الحد الذي وصلته، ثم تحجيمها إلى إزالتها،ثم تحويل الأزمة إلى فرص للنهوض والتطور، ولكن قحط عمقت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والهوياتية الموروثة حتى اتسع الخرق على الراقع، وغدت الوحدة الوطنية، وصيانة المجتمع، ووحدة مؤسسات الدولة على المحك، مع تكاثر الزعازع وتناقص الاوتاد، ولذلك فإن استمرار قحط في إدارة المرحلة الانتقالية في ظل السيولة الأمنية والاجتماعية، والانهيار الاقتصادي، وحالة توازن الضعف الماثلة تعني الوقوع في أتون الفوضى وحرب الكل ضد الكل وانهيار كيان الدولة السودانية، وانهيار السودان مهدد للأمن الاقليمي والدولي.
(5).
ان الواجب الوطني والأخلاقي والتاريخي يحتم على المؤسسة العسكرية السودانية(الجيش والأمن والشرطة والدعم السريع) تصحيح الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه والمتمثل في اختزال الثورة والشراكة والمحاصصة مع قحط والتي لا تمثل سوى 5% من القوى السياسية والاجتماعية ، وفض وإنهاء هذه الشراكة المعلولة مع الإبقاء على اتفاقية جوبا للسلام، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة أجلها عام ومهامها الترتيب لانتخابات مبكرة، فهذا الخيار أو الطوفان.
ونسأل الله أن يحفظ السودان

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...