علي أتبرا يكتب بالقلم السيال : آفة النقد الاجتزاء

* فيما اطلعت عليه من كتابات النقاد في المقارنة بين بيتين أحدهما لأبي فراس الحمداني واﻵخر لأبي العلاء المعري لم أجد منهم من أنعم وأمعن النظر في السياق الذي ورد فيه البيتان لينصف بيت أبي فراس. بينما المعري لم يكن ليحتاج إلى إنعام النظر أو إمعانه. وكان محظوظا حيث مال إليه النقاد وأعلو بيته على بيت الحمداني.

* عاش كل من الشاعرين الكبيرين في الدولة العباسية في العصر العباسي الثاني وتنقلا بين إقليمي العراق وسوريا الحاليين. وتوفي أبو فراس عام 968م بينما توفي المعري عام 1057م وهما لم يتجايلا وبالتالي لم يلتقيا.

* والبيتان كاﻵتي: قال المعري:
فلا هَطَلَتْ عَلَيّ ولا بأرْضي.. سَحائبُ ليسَ تنْتَظِمُ البِلادا
وقال أبو فراس:

ُمعللتي بالوصلِ والموتُ دونهُ.. إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْر

* عنون بعضهم للمقارنة بين البيتين بقوله: (أنانية أبي فراس وإيثار المعري) وآخر ما قرأت من المقارنات بين هذين البيتين هو ماكتبه الدكتور محمد الزودي. وأورد منه اﻵتي: (عبر الحمداني والمعري عن الزاوية التي ينظر كل منهما عبرها إلى الوجود).

* ولنقف عند حقيقة السياق الذي ورد فيه البيتان فلنوردهما فيه.
قال المعري:
ولو أنّ النّجومَ لديّ مالٌ.. نَفَتْ كَفّايَ أكْثرَها انْتِقادا
كأني في لِسانِ الدهْرِ لَفْظٌ.. تَضَمّنَ منه أغْراضاً بِعادا
يُكَرّرُني ليَفَهَمَني رِجالٌ.. كما كَرّرْتَ مَعْنىً مُسْتَعادا
ولو أنّي حُبِيتُ الخُلْدَ فَرْداً.. لمَا أحبَبْتُ بالخُلْدِ انفِرادا
فلا هَطَلَتْ عَلَيّ ولا بأرْضي.. سَحائبُ ليسَ تنْتَظِمُ البِلادا

* وقال أبو فراس:
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ.. أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟!
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ.. ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى.. وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبر
ُتَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي.. إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْر
ُمعللتي بالوصلِ والموتُ دونهُ.. إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ
ُ
* فما لم يقف عنده النقاد ليهونوا على أنفسهم هو أن تمني عموم المطر لدى المعري جاء في سياق الفخر. وأما تمني خصوص المطر وحرمان الآخر لدى الحمداني فقد جاء في سياغ الغزل. والمطر في الحالين مجاز وليس رجلا سويا من يرضى أن يشاركه أحد في محبوبته. وماقام به من اطلعت عليهم من النقاد هو فصل رمزية هطول المطر عن حقيقة الموضوع الذي تناوله كل من الشاعرين. والاجتزاء هو آفة النقد.

الصيحة

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...