“علي كل” محمد عبدالقادر : لماذا يعاني الحجاج السودانيون؟!! (1)

(1)

في مطار جدة كانت إحدى الحاجات السودانيات تجول داخل المكان بحراك بطيء حتمه تقدم السن بالتأكيد، وهي تسأل عن الطريق الذي يؤدي إلى منزل ابنها في (معتوق) وايم الله، اجتهد الحجاج كثيراً بلا طائل في إقناعها بأنها وصلت السعودية، كان وعيها يغيب ثم يعاود لبرهة قبل أن يغادر مرة أخرى، سألنا الله أن يشملها بعونه ورعايته ريثما تنقضي أيام الحج وتعود إلى أهلها سالمة، ولم نعلم شيئاً عن مرافقها ولكنها على كل حال كانت داخل المطار.
*(2)*

عقب عودة الحجيج من عرفة إلى مخيمات منى من الزحف المقدس عبر مزدلفة استغرق يوماً كاملاً، فوجئ شباب سودانيون بوجود حاج أسفل الجبل لا يقوى على الحراك من فرط الجوع على ما يبدو، رجل تقدم به العمر وخارت قواه من طول التوهان، وبعد رحلة ضياع ظل يبحث فيها عن رفقائه الذين نفروا إلى عرفات دون أن يدري، حينما التقى هؤلاء الشباب بالحاج صعدوا به إلى المخيم وأطعموه وأكرموه بينما كان يردد إنه ذاهب إلى عرفات رغم أننا في اليوم الثاني للعيد، هذا يعني أنه لم يحج بالطبع، بذل الرجل كل ماله ولم يؤد الفريضة ولا أدري على من تقع مسؤوليته، هل نلوم الإدارة العامة للحج والعمرة أم نعاتب أسرته التي تركته في هذا السن عرضة لمثل هذه الامتحانات المكشوفة.

*(3)*

في مخيمات منى كانت إحدى الحاجات اللواتي تقدمت بهن السن تسأل عن المكان الذي توجد فيه الآن، علمت أنها لم تكن تعلم أنها في الحج أصلا مثلما أخبرتني زوجتي، قصة هذه الحاجة التي مكثت يومين داخل البص في وادي عرفة دون أن يسأل منها أحد (تقطع القلب)، علمت أن الزميلتين الدكتورة زينب السعيد والأستاذة أمل أبو القاسم أوليتا هذه الحاجة اهتماما خاصا من الاستحمام وحتى الإطعام جزاهما الله خيرا، لا أدري ماذا فعل الله بها غير أن التجربة كانت قاسية بالنسبة لها وهي في هذا العمر.

*(4)*

صحيفة (آخر لحظة) عنونت أحد أعدادها بـ(منشيت مؤلم) مفاده (وفاة حاجة سودانية من حجاج بعثة ولاية الخرطوم بالجوع في مزدلفة)، لا أعتقد أن أحدا يمكن أن يموت من عدم الأكل في عرفات ومزدلفة، حتى وإن بررت البعثة ووضحت ملابسات الوفاة، لكن هذا لا ينفي مسؤوليتها الأخلاقية على الأقل، فالحاجة المعنية من أصحاب الأمراض المزمنة وقد أودت بحياتها (كومة سكري) بسبب ارتفاع أو انخفاض لا نعلم، ولكن تظل الحاجة لتجويد خدمة ومتابعة الحجاج مطلوبة خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض.

*(5)*

على مداخل منى وفي أعلى الجبل، توجد خيمة صغيرة تجمع عددا من السودانيين مهندسين وفنيين مسؤولين عن إدارة كهرباء مخيمات منى، (يا سلام) على المهندس مسعود الذي يدير الأمر بسلاسة وكفاءة تشرف أي سوداني ومعه علي و شاكر والبقية، أسميت هذه الخيمة (مقر السفارة السودانية)، مسعود ورفاقه طلبوا مني البقاء معهم حتى أطلع على حجم المعاناة التي يواجهها الحجاج السودانيون وهم يعايشون الضياع والتوهان وعدم الحصول على الوجبات دون حجاج العالم الآخرين .
تحولت خيمة (الباشمهندس مسعود) وهو سوداني صميم وشاب (متميز وقلبو حار) من أبناء الثورة أم درمان إلى نقطة لتجميع الحجاج السودانيين التائهين، رأيت كيف يفعل مسعود وإخوانه وهم يجتهدون في إعادة التائهين إلى مخيماتهم، العاملون هناك ما أن يعثروا على سوداني إلا ويردونه إلى (خيمة مسعود) ، فيجد العناية والرعاية وينقلب إلى مخيمه مسرورا.

*(6)*

تأملت كل هذه النماذج وأنا أستغرب أن تمنح هيئة الحج والعمرة كبار السن الأولوية في الحصول على فرصة الحج دون إعمال أية معايير تخضعهم للفحص الطبي أو تطمئن على أهليتهم لأداء المناسك، نعم جزء من ثقافتنا أن يحج الناس إلى بيت الله وهم كبار، هذا الفهم ينبغي أن يتغير ومن المفترض ألا تتبناه المؤسسات الرسمية، فالحج يقوم على المشقة ويحتاج إلى لياقة لا تتوافر لكبار السن، خاصة الذين يصلون إلى أداء المناسك بغير رفقة تعينهم على إنهاء الشعائر كما ينبغي..
يلزمنا كذلك حوار هادئ مع إدارة الحج والعمرة يجيب على سؤال محوري: لماذا يكون السودانيون أكثر الحجاج توهاناً ومعاناة أثناء أدائهم لشعيرة الحج؟.
نواصل

صحيفة اليوم التالي

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...