“علي كل” محمد عبدالقادر : لماذا يعاني الحجاج السودانيون؟! (2)

*(1)*

في الحلقة الأولى أمس طرحنا سؤالاً مفاده (لماذا يعاني الحجاج السودانيون؟!)، وأوردنا أمثلة كثيرة لحجاج عانوا وتاهوا وماتوا، تقدم السن والأمراض المزمنة كانت قاسماً مشتركاً في كل النماذج المؤلمة التي استعرضناها بالطبع .
لست بصدد توجيه اتهامات لهيئة الحج والعمرة تنتهي بـ(الغلاط والتوضيحات) مثل ما يحدث في كل عام من سجال بينهم وبين الصحافة، كاتب المقال (حاج) وشاهد عيان لديه من المشاهدات والملاحظات الموثقة ما يجعله يتحسر على حال حجاج سودانيين دفعنا بهم إلى المشقة التي نعلم ولم يسعفنا التنظيم والترتيب في وضعهم تحت الرقابة والعناية الدائمة، كما أن لياقتهم وإدراكهم وقدرتهم لم تعنهم على تجاوز واقع الرهق  الذي وجدوه هناك.

*(2)*
سنكتب لاحقاً وبتفصيل أكثر عن الطريقة التي تُدار بها شؤون الحجاج، وسنتطرق بالتأكيد للثغرات التي تنفذ منها الأخطاء، سنكتب رأينا في طرائق التفويج، وتجارب الأمراء مع الحجاج في المشاعر المقدسة خاصة في (منى وعرفات)، ولكن دعونا نتحاور الآن وبنفس هادئ حول معايير اختيار الحجاج لأداء شعيرة الحج.

دعونا نقول للجهات المختصة إنه لابد من مراجعة هذه الاشتراطات والضوابط بالقدر الذي يراعي أهلية الحاج لأداء الفريضة؛ صحته، إدراكه، قدرته ليس مالياً فقط بالطبع وإنما بدنياً كذلك.

*(3)*
قال الله تعالى: “.. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” [آل عمران: 97[.
 ومعروف أن جمهور العلماء أجمع على القول بأن الاستطاعة نوعان: بدنية ومالية .
 وقال العلماء إنه من (استطاع ببدنه ولم يستطع بماله فلا يلزمه الحج على الصحيح، ومن استطاع بماله ولم يستطع ببدنه فإنه لا يلزمه أيضاً، ولكنه لو وكَّل غيره ليحج عنه أجزاه ذلك بسبب مرضه أو ضعف بدنه)، ودليل هذا ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
“كان الفضل رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه. قال: (نعم). وذلك في حجة الوداع” .
لست مؤهلاً بالطبع للإفتاء بشأن تقسير معنى الاستطاعة، ولكن هذا ما قرأناه من العلماء أن القدرة البدنية تندرج تحت (لمن استطاع إليه سبيلا)، فهل اهتمت هيئة الحج والعمرة بهذا الجانب، لو فعلت لكفتنا كتابة هذه المقالات ولحافظت على حياة وصحة حجاج لاقوا نصباً ورهقاً وتعباً في رحلة الحج، تاهوا وجاعوا وبعضهم قضى نحبه مثل الحاجة التي فقدناها في مزدلفة.

*(4)*
 أتعجب جداً وهيئة الحج والعمرة تمنح الأولوية لكبار السن في الاختيار لأداء فريضة الحج، مثلما أعلنت في هذا العام، ضعف معايير الاختيار هي التي تجعلنا نسدد كل عام فواتير الضياع والجوع والموت في الأراضي المقدسة .
ترى هل تطمئن الجهات المختصة – حتى وإن سمحت بحج كبار السن – لوجود من يرافقهم أو يهتم لأمرهم من الأقارب؟، وهل تتبنى أية ترتيبات تضمن أداءهم للحج دون أن يتوهوا أو ينالهم الرهق وتودي بحياتهم المشقة.
إننا ندفع الحجيج من كبار السن إلى التهلكة ونحن نهمل إخضاعهم للفحص الذي يطمئننا على أهليتهم  لأداء الفريضة، ونخطئ حطأ كبيراً واستراتيجيتنا تعجز عن تصنيف أصحاب الأمراض المزمنة بالقدر الذي يجعلنا نوليهم اهتماماً خاصاً عبر تجميعهم في أفواج خاصة وإيلائهم ما يلزم من عناية متقدمة تراعي الوجبات وتتحسب للطوارئ، من الظلم أن يذهب صاحب علة مزمنة إلى الحج بذات الاستعدادات والترتيبات التي نتعامل بها مع الحاج المعافى الذي لا يعاني من أي مرض.

*(5)*
من المؤكد أنه يلزمنا الكثير من الترتيبات والمراجعة في التعامل مع أصحاب الأمراض الخطيرة وكبار السن الراغبين في أداء الفريضة، وطالما أن البعثة تحسبت لأسوأ الاحتمالات وهي تختار مسؤولاً عن (شؤون الدفن والموتى) فيصبح لزاماً عليها كذلك ضمان الاحتياطات التي تحافظ على حياة الحجاج خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة، لا يصح أن نعد العدة للموت فقط، لابد أن نضمن لهم كذلك أسباب الحياة عبر بعثة خاصة وعناية طبية متقدمة وترتيبات لا تضعهم عرضة للضياع أو الجوع والتوهان .
 يلزمنا تبني معايير واضحة في ما يلي الحجاج الذين تقدمت بهم السن حتى وإن منعنا حجهم إلا بضوابط مشددة، أقلها إلزام ذويهم بمرافقتهم لأداء الشعيرة أو بالحج عنهم فهو يجزي، هذا أفضل من الزج بهم في التهلكة ولسان حالهم يعبر عنه بيت الشعر القائل: (ألقوه في اليم مكتوفاً وقالوا له إياك إياك أن تبتل بالماء).
نواصل

صحيفة اليوم التالي

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...