كلمة شرف د/ شرف عثمان جرا .. خنازير السودان داخل مزرعة الحيوان

السودان الإخبارية | مقالات 

الكاتب البريطاني جورج أورويل كتب روايته مزرعة الحيوان في العام 1944م والتي صنفت من ضمن افضل مائة عمل ادبي في القرن العشرين ، مُعَرٍّضا في رواية باستلالين و سياسات الحزب الشيوعي في ذلك الوقت باسلوب رمزي ساخر حيث استعاض عن البشر بالحيوانات التي قادت ثورة ناجحة ضد السكير المستبد السيد جونز صاحب مزرعة القصر وتَوجت الحيوانات انتصارها بوثيقة احتوت علي سبع مبادي ولكن مع مرور الزمن تم تحريف الوثيقة الدستورية هذه ثم انكارها والتنصل من بنودها واحد تلو الاخر.

وتعتبر الرواية صالحة لكل عصر يسرق فيه الخنازير ثورة الشعب.

انا لا اتحامل علي أي كيان او فرد ولكن يا سيدي القارئ تتبع معي مجريات الاحداث والشخصيات داخل هذه التحفة الادبية ( مزرعة الحيوان ) وانظر الي التطابق التام بين الخنزير استالين وخنازير المزرعة وخنازير جدد في هذا العصر طابقت سياساتهم سياسات مزرعة الحيوان بشكل يثير الدهشة.

فبعد نجاح الثورة التي مهرت بدماء الحيوانات وحسب الرواية التي تقول : بما ان الخنازير أذكى الحيوانات في المزرعة لذلك بدأوا بوضع مفاهيم سرية للثورة تقام كل يوم في الحظيرة، وقد دانت القيادة المطلقة لثلاثة خنازير وهم نابوليون وسنوبول وكذلك سكويلر الذي كان أكثرهم فصاحة والأكثر براعة في إلقاء الخطب الرنانة وقيادة القطيع .

أعد الثلاثة نظامًا فلسفيًا أطلقوا عليه اسم (الحيوانية) وهتفت جميع الحيوانات ( الحيوانية تمثلني والانسانية تمثل عقيدة الجهل والدجل والشعوذة ) وقد دمرت الحيوانات كل شيء يذكرهم بالسيد جونز وقاموا بإزالة اثار النظام البائد مثل تغيير اسم مزرعة القصر إلى (مزرعة الحيوان) وكونوا لجنة لحصر مقتنيات المنزل ومصادرتها ولكن اشترطوا عدم استخدامها لأنها ستنقلهم من مرحلة الحيوانية النقية الي مرحلة الانسان المستبد.

وقد خصص الخنازير لأنفسهم حليب الأبقار ومحصول التفاح بحجة أنهم يحتاجون للغذاء الجيد لإدارة المزرعة واتخاذ القرارات وكالعادة استطاع الخنزير سكويلر اقناع الحيوانات بكلامه المنظم والذي دائمًا ما ينتهي بتحذيرهم من عودة ( النظام البائد) السيد جونز صاحب المزرعة.

وبينما الحيوانات منهمكة في عملية الاصلاح الجذري بعد الثورة كان الخنزير نابليون يعمل في الخفاء علي تكوين جيش سري من جراء قام بتربتها دون علم الجميع حتي اصبحت كلاب شرسة تدافع عن سيدها في جميع المواقف.

وبسبب تضارب المصالح بدأت رويدا رويدا الخلافات بين الخنزيرين سنوبول ونابوليون ( شركاء المرحلة ) تزداد وكان آخرها عندما فكر سنوبول في مشروع اقتصادي قومي ولكن نابليون اكد للجميع فشل المشروع وطرد سنوبول من المزرعة بواسطة كلابه الشرسة بعد ما ازله امام الجميع، وبعد ذلك لم يراه احد، ولكن ما اثار دهشة الحيوانات ان نابليون تبني فكرة المشروع الاقتصاد ونفذه بعد ذلك، بل اكد للجميع انه هو صاحب الفكرة في الاصل ثم صدقت الحيوانات هذه الكذبة لان ذاكرتها ضعيفة وقدرتها علي التحليل اكثر ضعفا.

وقد كانت الحيوانات تعمل بجد وكان أكثرهم اجتهادًا هو الحصان بوكسر الذي دائما ما يردد : سوف أعمل بجد ونابوليون لا يخطئ أبدأ ونابليون يمثلني، ودائما عنما تتسامر الابقار امام القدير كانت تردد: شكرا ايها الخنزير نابليون لأنك جعلت العشب اخضر وماء الجدول عذبا.

وبسبب العمل لساعات اضافية اكثر من طاقته خارت قوة الحصان بوكسر، وكافئه نابليون بان باعه لذابح الحيوانات، وتولى الخنزير سكويلر إقناع الحيوانات بأن الحصان بوكسر المخلص والمتفاني في عمله قد أُرسل إلى المستشفى البيطري وتتم رعايته والعناية به بصورة مثالية، واقتنعت الحيوانات بالرغم من أنها رأت العربة التي أخذت الحصان بوسكر وقرأت لهم العنزة موريل ما كتب عليها: (عربة مذبح الحيوانات ).

ومع كل الجهد الذي تبذله الحيوانات لإكمال مشروع الخنازير الاقتصادي فقد قلت حصص الطعام وجاعت الحيوانات كثيرا ولكنها ما زالت راضية لان الاّلة الاعلامية داخل الحظيرة المتمثلة في سكويلر و(الديكة) اقنعتها بان الخير قادم في مقبل الايام وبان الحيوانات ستنتصر : فقط لابد من المزيد من الصبر والتفاني والاخلاص لقادة الثورة وان حزب الخنازير افضل من حزب البشر وبان نابلوين خنزير ملهم وذكي وخلاق.

فضلا عن تأثير قطيع الخراف وهتافها الدائم بشعارات ثورة مزرعة الحيوان المجيدة بالإضافة للأجهزة الشرطية الصارمة والاساليب السياسية المخادعة كل ذلك جعل الحيوانات غير مستوعبة لما يحدث ومرتبكة ومشتتة ذهنيا.

ثم أعلن الخنزير نابوليون أن المزرعة ستقيم علاقات تجارية مع البشر ( مخالفا الوصية الاولي من المبادئ الحيوانية السبعة والتي تعتبر ان الانسان عدوا للحيوانات ) كما كانت الحيوانات قبل الثورة تنتقد النظم الاقتصادية البشرية لأنها تعتمد علي سرقة مجهود الحيوانات وخيراتها، لكن كان التبرير حاضرا في كل مرة حيث تم اقناع الحيوانات بان ذلك : من اجل الحصول على متطلبات المشروع الاقتصادي مقابل جزء من المحصول والبيض تدفعه حيوانات المزرعة للإنسان، وكذلك أقنعهم الخنزير سكويلر بأهمية المعاملات التجارية مع البشر وحاول إقناعهم أن هذا ضروري وليس انتهاك لأي وصية من الوصايا السبع، بل ان التعاون مع النظام الاقتصادي البشري فعال وضروري في هذه المرحلة.

أعلن نابوليون نفسه ملكًا وأخبرهم انه سيتم تشكيل لجنة من الخنازير تحت رئاسته ستتولى رعاية المزرعة وسيتم إعلام الحيوانات بالقرارات المتخذة في اجتماعاتهم السرية ولا مزيد من النقاشات العمومية، حاول أربعة خنازير الاعتراض علي دكتاتورية الخنزير نابليون وعدم التزامه ببنود الوثيقة الدستورية وتنكره للمناضلين في معركة المزرعة الشهيرة والتي وضعت حد بين البشر والحيوانات، والتي كانت محل فخر ليس لحيوانات المزرعة فحسب بل لجميع حيوانات انجلترا، ولكن الكلاب اسكتت الخنازير التي مثلت المعارضة الجديدة لهذا النظام، ثم تمت محاكمتهم بعد اجبارهم بالاعتراف علي انفسهم بالخيانة والعمل ضد الثورة وبانهم علي تواصل مع اعضاء العهد البائد وتم اعدامهم كما تم اعدام كل من كان معارض للنظام الجديد.

و انتقلت الخنازير للعيش في بيت المزرعة والنوم على الأسرة واستعمال مرافق المنزل مع تغيير نص الوصية التي تمنع ذلك لصالحهم وكالعادة لم تعترض الحيوانات لأن سكويلر أقنعهم أن الخنازير تحتاج لمكان هادئ ومريح لإدارة المزرعة وان اسلوبهم في الامتعاض والتشكيك يخدم مخططات الاعداء والفلول.

وعندما دُمر المشروع الاقتصادي بسبب عاصفة قوية اعلن الخنزير نابوليون أن من حطمه هو الخنزير المطرود سنوبول الشرير بمعاونة بعض الخونة من داخل المزرعة، وأصبحت كل كارثة تحدث في المزرعة بسبب سنوبول وأقنعهم نابوليون أنه خطر عليهم وان سنوبول علي تواصل مع الانسان وانه يمثل روح النظام البائد، بالرغم من أن أحدًا منهم لم يره كما انهم لم يروا السيد جونز صاحب المزرعة بعد نجاح الثورة، ولكن هذه الفزاعة كانت كفيلة بإسكات المشككين في نوايا الرفاق.

وازدادت حالة الحيوانات بؤسا و وقل الطعام ولكن كان دائمًا سكويلر يلقي عليهم إحصائيات بأرقام خيالية لما حققوه من إنجازات لا يراها إلا الخنازير كما كان يوعدهم بمستقبل اكثر اشراقا ثم يرددوا جميعا بعد كل خطبة او تقرير اقتصادي ( شكرا الخنزير نابليون).

استمرت الخنازير في قمع الحيوانات وإقناعهم أن هذا لصالحهم واستمروا في مخالفة الوصايا السبع ( الوثيقة الدستورية ) ووصف كل من يخالفهم الراء بانه ( مندس وعميل ويخدم اجندة النظام البائد) وزادت الخطب والشعارات الرنانة وارتفع صوت قطيع الخراف تنشد (الخير في ذوات الأربع، والشر في ذوات الاثنين).

ثم قلدت الخنازير البشر في كل شيء حتي انها غيرت مشيتها وشاهدتها الحيوانات تمشي على قوائمها الخلفية ثم بدأت الخراف في الهتاف ( الخير في الأقدام الأربعة، والخير الأكثر في القدمين)، واستبدلت الوصايا السبع بوصيه واحدة وهي ( جميع الحيوانات متساوية لكن بعضها افضل من بعض).

اتسمت السياسات التنظيمية المتبعة داخل المزرعة بالأنانية والانتهازية والتسلق علي دماء الثوار ولم يكن التنكر للخنزير ميجُر العجوز صاحب فكرة الثورة الأصلي مدهشا ، كما لم تندهش الحيوانات حيما تم التطبيع الكامل مع الكيان البشري بحجة ان المزرعة لا يمكن ان تكون منعزلة عن المجتمع المحيط بها.

ولكن ومن المفارقات بعد التطبيع استوردت الحيوانات الحبوب التي كانت تنتجها سابقا، وتدهورت اوضاعها داخل المزرعة كثيرا، باستثناء الخنازير التي لبست الحرير وتناولت الخمور.

ان ثورة حيوانات المزرعة التي مثلت الهام لجميع حيوانات انجلترا سرعان ما تنكر الخنازير لمبادئها وزموا معركة الحظيرة الشهيرة التي انتصرت فيها الحيوان علي الانسان، واكد الخنازير ان تلك المعركة وكافة التصرفات الحيوانية ضد البشر كانت نتيجة لسوء فهم وقدمت اعتذارات مطولة وتنازلات مستمرة وعملت علي تغيير شعارات المزرعة واناشيدها الثورية كما تم ازالة صورة القرن والحافر من علم المزرعة ليصبح قطعة قماش خالية من أي رمزية .

عزيزي القارء وانت تطالع ملخص هذه الرواية التي كتبت قبل سبعين عام اذا طاف بخيالك صورة كيان او حزب او فرد كان شبيه بأحد الخنازير او الكلاب او الدجاج او الابقار او الحصين فانت من الفلول المندسين الذين يعملون ضد ثورة ديسمبر المجيدة.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...