ما يحدث في الخلاوى! ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال

-1-

في كثيرٍ من الفواجع نكتفي بالحسرة والاستهجان، وإفراغ غيظنا بشتيمة الحُكَّام والمسؤولين ولعن الزمان.
كُلُّ جريمةٍ تأخذ مساحةً واسعةً من التناول وصرخات الاشمئزاز الإسفيرية، ثم تمضي بعد 48 ساعة إلى قاع النسيان.
لا تمضي أيَّامٌ دون أن نُطالع أخباراً عن جرائم اغتصاب تُرتكب في حقِّ الطفولة والبراءة.
الكارثة أن جرائم اغتصاب الأطفال تحوَّلت من أفعالٍ ثنائية محدودة إلى جرائم شبه جماعية، يرتكبها شخصٌ واحدٌ في حقِّ مجموعة من الأطفال، في مكان يُفترض فيه الثقة والأمان.

في الفترة الأخيرة، كثرت جرائم اغتصاب الأطفال في الحواضن التعليمية: المدارس والخلاوى.
-2-
قبل ثلاثة أيام تلقَّيتُ اتصالاً من أحد القُرَّاء يُخبرني عن جريمةٍ بشعةٍ وقعت في منطقتهم: إمام مسجد ومأذون، قام باغتصاب طفل في الثامنة من العمر.
المُتَّهم يقوم بتدريس القرآن لمجموعة من الأطفال، ويوم الحادثة قام باستدارج الضحية عقب خروج زملائه، وقام باغتصابه بطريقة بشعة.
الطفل أبلغ أُسرته التي أخبرت الشرطة، وأُحيل للكشف الطبي، وأُلقِيَ القبض على الإمام .
المتهم أقرَّ بفعلته، وسجَّل اعترافاً قضائياً بارتكابه الجريمة، وجاءت أقواله مُتطابقةً مع أقوال الطفل المُغتصب.
هذه ليست الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة؛ فقبل سنوات ضجَّت مدينتنا بحادثة مُشابهة تمام الشبه من حيث صفة المتهم وطريقة الاستدراج.
حادثة القضارف تُعتبر الأكثر بشاعة، حين اغتصب شيخٌ تلميذين يدرسان في خلوة يُديرها. الأدهى أن المصادر ذكرت أن عدد المغتصبين بعد التحرِّي والتقصِّي بلغ 13، وليس اثنين فقط.
في مدينة الفتح بأم درمان، أوردت الصحف قبل فترة، أن شيخ خلوة قام باغتصاب ثلاثة من الطُلّاب.
-3-
المُحزن أن الأجهزة المُختصَّة اكتفت فقط بتشديد العقوبات إلى حد الإعدام، رغم أن هذا التشديد له سنوات، ولكنَّه لم يحد من الظاهرة، ولم يُمثِّل رادعاً للمُجرمين، والدليل على ذلك تزايد المُمارسات الشاذَّة بصورة أكثر وحشية.
مع كُلِّ هذه الجرائم المُتكرِّرة في الأماكن ذات القداسة المجتمعية، مثل الخلاوى والمدارس، لم تبتدر جهاتُ الاختصاص منظومة وقائية حمائية تحدُّ من جرائم اغتصاب الأطفال.
كان الأوْلى والأجدى، أن تُصبح قضية حماية الأطفال من التحرُّش والاغتصاب ذات طابعٍ وقائيٍّ احترازيٍّ قبل وقوع الجريمة والعقاب عليها.
هي طريقتنا العقيمة في العلاج، حينما يتكاثر الناموس والذُّباب، لا نُكافحهم في أطوارهم الأوَّلية ومصادرهم البيئية، ولكن نكتفي بمطاردتهم بمُبيدات قليلة الفاعلية وباهظة الثمن.
الأوْلى دوماً، تجفيف البرك لا مطاردة الذباب والبعوض!
-4-
لا أعرف ما السبب الذي يمنع وجود مادَّةٍ مدرسيةٍ تُعلِّم الأطفال كيفية حماية أنفسهم من المُعتدين وردِّ أذاهم وعدم التَّستُّر عليهم.
لماذا لا تُخصَّصُ مواد إعلاميةً ثابتة، تُثقِّفُ الأُسر عن كيفية حماية أطفالهم وتشجيعهم على البوح، والأفضل التوسُّع في ذلك عبر الأعمال الدرامية والبرامجية التثقيفية.
للأسف معظم الخلاوى الموجودة الآن والمُستمرَّة على ذات النهج القديم، منذ السلطنة الزرقاء حتى اليوم، لم ترْقَ إلى مستوى يحفظ كرامة الأطفال ويصون إنسانيتهم.
عددٌ كبيرٌ من طلاب الخلاوى تبدو أوضاعهم أقربَ لأوضاع المُشرَّدين بل أسوأ منهم على مستوى التغذية.
لا تزال كثيرٌ من الخلاوى ممالك مُغلقة، يسكنها الخوف والرُّعب وثقافة الإذلال.
معظم الخلاوى عبارة عن مجموعات مُغلقة، في أماكن ضيقة ومُزدحمة في أعمار متفاوتة، تتلقَّى غذاءً بائساً في بيئة رديئة وتربية قاسية، ولا تسلم من الاعتداءات الجنسية!
ماذا سيستفيد المُجتمع إذا كانت تلك الخلاوى تُخرِّج إليه حافظين للقرآن وفاقدين لكرامتهم وإنسانيَّتهم.
القرآن ليس نصوصاً تُحفَظ بالزجر والعقاب، هو منهج حياةٍ كريمة ومنظومةُ قيم.
ليت الجهات المُختصَّة، شرعت في وضع شروط وضوابط مُلزِمة وصارمة ، قابلة للرَّقابة والمتابعة لخلاوى القرآن، بحيث يتم إغلاق الخلاوى التي لا تلتزم بتوفير البيئة التربوية والأخلاقية والصحية السلمية، ولا يقوم على أمرها شيوخٌ مؤهلون لذلك الدور.
– أخيراً –
نعم، هذه الظواهر الشاذَّة لن تنتهي بتلك الإجراءات، ولكن، من المُهمِّ الحدُّ منها في أضيق حيِّزٍ عبر ثنائية التثقيف والعقاب، والوقاية قبل العلاج، حتى لا ينشأ جيلٌ مكسورُ العين وجريحُ الكبرياء، تُحرِّكه نوازع الشَّرِّ والانتقام.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...