محمد عبد الحميد: (سونا) ليست بوقاً لأحد ومن الأفضل لها خسارة احتكار أخبار الحكومة

حوار – حسن محمد علي
يستند مدير وكالة السودان للأنباء (سونا)، الأستاذ محمد عبد الحميد عبد الرحمن، على خبرة ثرّة اكتسبها من العمل لأكثر من 30 عاماً في مجال الصحافة، يحاول عبرها ضبط عقارب ساعة الوكالة التي شاخت وتردّت، ولم يعد من الممكن القبول بوضعها الراهن في ظل التطور التقني والوظيفي والنوعي لوكالات الأنباء.

في هذه المقابلة، حاولنا أن نفهم كيف يمكن لـ(المفصول) السابق من الوكالة، والعائد على رأس إدارتها، أن يكتب قصة خبرية جديدة لوكالة (سونا)، يعظّم فيها تعدّد ثقافات السودانيّين، معتمداً على (كل الصور.. كل الألوان).

كيف يبدو مشهد وكالة السودان للأنباء. بالأحرى، كيف وجدته؟!

– (سونا) مؤسسة قديمة وراسخة، ظلّت طوال خمسين عاماً سنداً للصحافة السودانية، وعماداً لعدد كبير جداً من الوكالات في دول الخليج وأفريقيا، خاصة للكوادر التي تدربت فيها. وفي العقدين الأخيرين، مرّت الوكالة بفترة جمود، ولم تستطع تجديد بنيتها البشرية أو الفنية، وتحتاج إلى التحديث حتى تنافس في سوق الخبر.
التغيير في (سونا) سيأخذ وقتاً طويلاً ويحتاج لموارد، إلا أنّنا بدأنا في الخطوات الأولى، وإن لم تكن بالسرعة المطلوبة، لكنها في الاتجاه الصحيح.

كيف تنظر لافتقاد الوكالة لميزة حصرية الأخبار، خاصة مع ظهور قنوات الاعلام الحديث؟!
– أعتقد أنّه من الأفضل لـ (سونا)، ومستقبلها، أن تخسر احتكار أخبار الحكومة. نحن الآن في سوق مفتوح نتنافس مع الآخرين.

ولكنّكم تمتازون بوضع خاص؟!
– صحيح، ما تزال لدينا بعض الامتيازات في المؤسسات السيادية، وفي بعض الأحيان تُتاح لنا ظروف خاصة لتغطية أحداث غير متاحة للجميع، لاعتبارات عملية. مثلاً: لا يمكن أن يتم لقاء مع رئيس المجلس السيادي أمام ثمانين صحافياً وعشرات الكاميرات، وهو ما لا يحدث في أي مكان بالعالم. هنا، يُتاح لـ(سونا) التميز، لكن المساحة تتقلص باستمرار وهو أفضل لنا، لكننا نتنافس في مرجعيات مصادر الأخبار.

75% من محتوى أخبار الميديا السودانية مصدرها (سونا)

ما الذي تعنيه بمرجعيات المصادر؟!
– أعني الإحصاءات التي نجريها في الوكالة – وقد لا تكون شديدة الدقة – مثلاً: (60 إلى 70%) من أخبار الصحافة المطبوعة مصدرها الوكالة، و(70 إلى 80%) من أخبار مواقع الإنترنت، و(80 إلى 90%) من أخبار محطات الإذاعة والتلفزيون من وكالة (سونا).

وبالتأكيد، جزء كبير من الأخبار التي تُنشر خارج البلاد عن السودان، مصدرها وكالتنا. ليس مهماً أن تكون كل الأخبار بالضرورة (نسخ ولصق)، لكن جذعها الأساسي من (سونا).

بثقة شديدة جداً، يمكن القول إنه في المتوسط (65 إلى 75%) من محتوى الأخبار المتداولة في الميديا السودانية بمختلف مساقاتها، مصدرها (سونا).

ألا يهزم احتكار الأخبار، مصداقية الوكالة؟!
– مصداقية الخبر لا علاقة له باحتكار (سونا) له، بل لأن المتلقّي تربّى مؤخراً على تقاليد من الاستيثاق المركّب وأخذ الخبر من أكثر من مصدر والتأكد من المعلومات الواردة فيه. ومع ذلك، مثلنا ووسائل الإعلام الأخرى، تحدث هنّات من وقت لآخر. لكن (سونا) لم تفرّط في مصداقيتها أبداً، ونعمل وفق قاعدة (مصدر واحد ليس مصدراً)، وهي للأسف، قاعدة غائبة عن الصحافة السودانية.

في الفترة الأخيرة، اقترفت وكالة (سونا) أخطاء فادحة قادت للتندر والسخرية، كيف فاتت عليها؟!
– نحن أحرص ما نكون على دقة وموثوقية أخبارنا، ويندر أن نقع في خطأ لأننا نعمل وفق قاعدة (من الأفضل أن يفوتنا الخبر، من أن ننشر خبراً غير موثوقاً فيه). لا نأخذ أخبارنا من مواقع السوشيال ميديا من طرف، رغم أنّها مُهمة للتعرف على اتجاهات الرأي العام ومشاغله، لكنها في النهاية ليست مصدراً للخبر، ولا أظن أن (سونا) كانت مصدراً للسخرية يوماً ما.

ألا تشاركنا القول بإنّ الإعلام الحديث يسبقكم في النشر؟!
– من ينشطون في النشر بمنصات التواصل الاجتماعي، أفراد. لا تقيّدهم قواعد النشر الأخلاقية ولا تحدهم أية مسؤولية تجاه جمهورهم. بالتالي، هم ليسوا مصدراً معقولاً للأخبار. صحيح، يمكن الاستعانة ببعض الأدلة من السوشيال ميديا مثل مقاطع الفيديو والصور الفوتغرافية لأحداث محددة، لكن لا يمكننا التعامل مع معلومة كالتي راجت الأيام الماضية عن إغلاق بوابات السد العالي، أو شائعة إخلاء جزيرة توتي. هذا من الخطأ، وأية وسيلة إعلام جارت السوشال ميديا، فقدت مصداقيتها.

هل ترجمت (سونا) شعارات الثورة في محتواها؟!
– سونا، مؤسسة مهنية مستقلة. مهمتها تزويد جمهورها بالأخبار، مع ملاحظة أن جمهورنا من فئتين، الأولى: وكالات الأخبار، وسائل الإعلام والصحف، وهي مصممة لتخدم هذه الفئة من الميديا الوسيطة وليس الجمهور بشكل مباشر، لكن الآن، ولأن خدمة الإنترنت متاحة للجميع، أصبح لدينا جمهور من المواطنين الذين لا يعيدون إنتاج عملنا، وهو الفئة الثانية من جمهور سونا.

لذلك، لابدّ من تلبية حاجة الفئتين، واذا ما قمنا بهذا الدور الذي حددناه، نكون قد أسهمنا في التحول الذي يحدث في البلاد الآن، بترسيخ صحافة ذات مصداقية، تعمل على تنوير المجتمع بصورة غير خاضعة لأية جهة، سواء كانت الحكومة أو المموّلين والمعلنين.

الإعلام الحكومي ضعيف أمام خصومه السياسيّين

كيف تسهم سونا في التغيير؟!
– نقوم بعمل مختلف مقارنة مع الماضي بالاستقلالية والاتزان، والتخلي عن فكرة وكالة الأنباء التي تنطق باسم الحكومة وتابعة لها. نفهم أن المجتمع يضجّ بأنشطة كثيرة واهتمامات متنوعة من رياضة وفنون وآداب. هنالك لاعبين مهمين جداً في ساحات السودانيين خارج نطاق النشاط الحكومي، مثل منظمات المجتمع المدني والحياة الاجتماعية والثقافية وغيرها. يجب أن نجعل المجتمع يفهم أن حياته أغنى من حياة الساسة والسياسيّين بكثير. عندها، سننجح في تحويل الصحافة لتكون صوتاً للناس ومرآة لما يجري في حياتهم.

نحن ملتزمون بالتغيير، وجزء منه، وواحدة من أدواته. لكن هذه طريقتنا التي سنؤدي بها الدور ونحن لسنا محايدين في الصراع المعقّد، بل نحن مع التقدم وبناء الديمقراطية والمجتمع المتعدد، وترسيخ السلام.

كل المعارك، نحن جزءٌ منها. لكننا (لسنا بوقاً لأحد)، مهمتنا تقديم الأخبار الصحيحة للمواطنين.

ورثت سونا أجهزة متطورة، بجانب شبكة من المراسلين، كيف يمكن الاستفادة منها للبناء؟!
– نعتمد في بناء مؤسسة جديدة، على التحول الرقمي، ونحتفظ بريادة كوننا المؤسسة الوحيدة التي تملك قدرة أن تنتج فيديو بشكل منتظم ومحترف. حتى محطات الراديو والتلفزيون لا يستطيعون إنتاج قصص إخبارية مثل (سونا).

وكالتنا لديها القدرة الفنية للبث لكل محطات التلفزيون في وقت واحد، لأنها – وهذا ليس من إنجازي، بل من الإدارة السابقة وما قبلها- أدخلت تكنولوجيا أمريكية اسمها (التي في يو)، ما قاد لتحول كبير للنقل التلفزيوني من طريقة النقل القديم ذي التكلفة الباهظة، وقلّل ذلك التكلفة لأقل من (1%)، لأن عربة البث بالأقمار الإصطناعية كلّفت الوكالة (815) ألف دولار، بينما جهاز البث المباشر للإرسال والاستقبال لا يتجاوز سعره العشرين ألف دولار.

هل تعني أنك ستعتمد البناء والتطوير فوق هذه القاعدة؟!
– أراهن على تعيين (40) صحافياً جديداً خلال الأسابيع المقبلة، لنعيد تجديد شباب الوكالة وننفخ فيها روحاً جديدة. هذا هو مستقبل المؤسسة التي سنضع فيها قدراتنا وخبرتنا ومواردنا.

سنعمل على تطبيق (الرقمنة) بشُبّان جُدد، وجيل مختلف. هذه نقلة ضرورية لـ (سونا)، لأن آخر تعيين كان في العام (2014) لـ(27) محرراً، بقي منهم خمسة محررين فقط. وقبلها، في العام (1994)، ثم الدفعة الأولى التي تمّ قبولها في منتصف الثمانينيات. والآن متوسط أعمار الصحافيّين كبير. لذلك، سونا مؤسسة شائخة، بشرياً ومادياً.

ألا يتطلب الأمر، الكثير من المساعدات حتى بعد توفر الكادر البشري؟!
– بالطبع. حصلنا مؤخراً على مساعدات من أصدقاء أجانب، منها مركز بيانات جديد (داتا سنتر)، ما يتيح لنا استبدال كل السيرفرات القديمة (الخردة)، وستمتلك وكالة سونا (سيرفر) جديد، قريب لامكانيات (سيرفر سوداتل). وتعاقدنا على شراء شبكة توزيع جديدة وتمّ شحنها وسنستلمها الأيام المقبلة.

ونتفاوض الآن مع منظمات دولية ووطنية لتحديث أجهزة الكمبيوتر لدينا، خاصة أجهزة (الماك). لذلك، بعد عامين أو ثلاثة، ستكون سونا في مكان آخر، وستقدم خدمة أفضل.

في اتجاه آخر، كيف تنظر لتعدد اللّسان الحكومي، والمطالبات بضبط الخطاب الإعلامي؟!
– أنا لا أفهم عبارة (انضباط الخطاب الحكومي). نحن في مجتمع متنوّع ومتعدّد، وفي مرحلة تحوّل. التعدد يعبر عن نفسه، خاصة ما نهتم به نحن في أجهزة الإعلام وهو العمل السياسي. وبالتالي، من غير المتوقّع ولا يفترض أن يكون هنالك خطاباً موحداً أو منضبطاً. الخطاب في حالتنا هذه، لابد أن يكون متلوّنا (من الألوان وليس المعني السلبي).

الحكومة تعبر عن هذا التنوع، فيها أحزاب وتحالف فريد من نوعه، ومجلس رئاسي مُقسّم بين المدنيّين والعسكريّين. لذلك، ليس غريباً أن تصدر أصوات متعددة من الحكومة المتنوعة، لكن هنالك حاجة لأن يكون صوت الجهاز التنفيذي واضحاً وموّحداً فيما يخص أنشطة الحكومة، وأن يعبر عن موقف واحد. لكن ليس مُقلقاّ أن يكون هنالك أصوات متنوّعة، بل هي ضرورية.

كيف تقيّم أداء الإعلام الحكومي أمام إعلام المعارض؟!
– أشعر بضعف الخطاب الإعلامي الحكومي أمام خصومه السياسيّين والآيدولوجيّين. مؤسساتنا الإعلامية ضعيفة ومواردها شحيحة نسبياً، وخصومنا السياسيّين لديهم موارد كبيرة ومتعددة جداً، وأموال طائلة، مؤكد أنّها منهوبة من الدولة وقوت المواطنين السودانيّين. هذه الموارد والأموال، تُستخدم بقوة وفي بعض الأحيان بكفاءة، خاصة في السوشيال ميديا لإشاعة الأكاذيب والتوترات داخل المجتمع، والتقليل من أهمية التحوّل ووضع العراقيل أمام السُلطة السياسية الجديدة. لذلك، على التحالف الحاكم وأجهزته الإعلامية، توفير قدرات وموارد أفضل لمواجهة الحملة الضارية.

تناول قضايا ذات حساسية عالية، مناطقية كانت أو أثنية، حقل ألغام تمشي عليه الإجهزة الإعلامية الرسمية؟!
– هذه واحدة من المشاكل التي تواجهنا بشكل يومي، وتسبب لنا قلقاً في مثل الظروف التي نعيشها الآن. مثلاً، في أحداث مثل اشتباكات كسلا، نراعي كيفية نقل الأخبار حتى لا تسهم في تأجيج النزاعات القبلية، ونتغلب عليها دائما بالتدريب الجيد، والتمسك بقواعد المهنة الأساسية والتوازن وعدم إثارة الكراهية، وبدون التأثير على نقل الحقائق. في غالب الأحيان، ننقل صورة معقولة. وفي أحيان، تتسرّب منا أشياء سيئة.

لابد من عمل منظم لإعادة بناء صورة السودان المتسامح

هل من أمثلة لكيفية تعامل سونا مع مثل هذه الأحداث؟!
– نعم، منعنا من قبل، تصريحات لأحد زعماء القبائل بسبب حديثه الفظ، ولأننا لا نشعل الحرائق، بل نعمل على إطفائها.

هل ستعمل سونا على تفكيك الخطاب الديني الذي تسيّد لفترة طويلة؟!
– من أهم أسباب الثورة، أنّ بلدنا ومجتمعنا تمّ تخريبه ونهب موارده، بسرقة أعز ما عند الناس، وهو معتقدهم الديني واستغلاله وتطويعه. لذا، لن نسمح باستغلال عقيدة الناس، أو استخدام الدين في الصراع السياسي.

كيف ستعمل سونا على إزالة آثار خطاب الكراهية التي تم توجيهه نحو العالم الخارجي طيلة العقود الماضية؟!
– فعلاً، خلق النظام السابق بحملات دعائية وغوغائية ومثقلة بحمولة آيدلوجية ودينية، خلق حالة من الانعزال، وصوّر كل ما يحدث في العالم باعتباره مؤامرة على السودان!

لابد من عمل منظم لإعادة بناء صورة السودان المتسامح، والتبشير بأن سُلطتنا مُؤتمنة وتبني سياستها الداخلية والخارجية على المصالح المتبادلة وفقاً لمصلحتنا الوطنية. وأن نرى العالم بمنظار مصالحنا الوطنية.

أخيراً، هل ستستعينون بلجنة إزالة التمكين لإعادة ترتيب الأوضاع في سونا؟
– تعاملنا مع لجنة إزالة التمكين، وما زلنا على صلة بها. لم نتخذ قراراً بعد، أو أوصينا باستبعاد جماعي على أساس الانتماء السياسي أو الآيدلوجي، لكن لا نستبعد أن نفكك أو نتخلص من العناصر التي نرى أنّها ستعيق عملنا، بذات الأسس السياسية أو الآيدلوجية.

كيف؟!
– لو رأينا أن هنالك من يمنع تقدمنا بدوافع سياسية، سنتعامل مع لجنة إزالة التمكين لفصله واستبعاده.

اقرأ أيضًا
تعليقات
Loading...